ويعرف الصمود بأنه قدرة الفرد على تجاوز الظروف الصعبة وتحقيق أفضل أداء رغم الظروف الصعبة (Liebenberg et al., 2012). كما يعرفه باحثون آخرون بأنه القدرة على التكيف والتوافق الإيجابي خاصة في حال التعرض للأزمات والشدائد (Luthar & Cicchetti, 2000; Masten, 1994). ويعتبر البعض بأنها ليست سمة ثباتة، وإنما هي سمة متغيرة وناتجة جراء التفاعل بين الظروف البيئية للفرد وقدراته وسماته الشخصية (Ungar, 2008). ويعد غرس الصمود منذ نعومة الأظافر أكثر فعالية في ضمان الإنتاجية الحقيقية للفرد بدلاً من تفعيل استراتيجيات علاجية قائمة على الصمود لاحقاً عند الأفراد المعرضين للخطر (Luthar & Cicchetti, 2000).
ومن النظريات المفسرة للصمود النموذج ثنائي البعد (Luthar & Cicchetti, 2000)، ونموذج التفاعل بين السياقات الثقافية والسمات الشخصية للفرد (Ungar, 2008)، وغيرها. ويشير النموذج ثنائي البعد لوجود بعدين رئيسين للصمود، وهما: وجود الأزمات كالحروب والفقر والظروف الصعبة (Adversity)، والقدرة التي التكيف الإيجابي (Positive adaptation) حيث أنه يلعب كلاً من انخفاض مستوى الضعف (vulnerability) وزيادة العوامل الداعمة والواقية (Protective factors) دوراً في زيادة قدرة الفرد على الصمود. ويشير نموذج التفاعل بين السياقات الثقافية والسمات الشخصية للفرد لعدم وجود نمط موحد للصمود حيث لا يعد النموذج الغربي هو الممثل الفعلي لهذه الظاهرة بل هو محكوم بالسياقات الثقافية المختلفة عند دراسة 1500 طالب من 14 سياق ثقافي مختلف مما ترتب عليه استخلاص أربع نتائج رئيسية، وهي : (1) يوجد تأثير عالمي وتأثيرات متعددة قائمة على السياقات الثقافية في الصمود، و(2) تمتلك جوانب الصمود تأثيرات متباينة على حياة الأفراد انطلاقاً من سياقاتهم الثقافية، و(3) ترابط الجوانب الحياتية التي تؤثر على صمود الفرد، و(4) يتم التعامل الإيجابي مع التضارب بين السمات الشخصية للفرد والجوانب الحياتية مما يعطي للصمود تمايز انطلاقاً من السياقات الثقافية. ويتمثل الصمود في سبعة مصادر، وهي: (1) مدى توفر الموارد المساندة سواء المالية أو التعليمية أو الصحية أو فرص التوظيف التي تعزز الصمود، و(2) نوعية العلاقات مع الآخرين سواء في الأسرة أو الأقران أو المجتمع، و(3) الهوية الذاتية التي تتمثل في امتلاك الفرد لهدف معين وإدراكه لنقاط قوته وضعفه وطموحاته ومعتقداته الدينية والثقافية والاجتماعية، و(4) القوة والضبط التي تعكس مقدار اهتمام الفرد بذاته وبالآخرين وقدرته على إحداث التغيير في وسطه المادي والاجتماعي للوصول لمصادر أفضل تعينه على الصمود، و(5) الالتزام الثقافي الذي يعكس درجه التزام الفرد بهويته الثقافية العالمية والمحلية بكافة ملامحها من معتقدات وقيم وتصرفات، و(6) العدالة الاجتماعية، و(7) التمسك بهدف سامي الذي يعكس مدى إحساس الفرد بقدر من المسؤولية لإحداث الخير العام وشعوره بأنه جزء من شيء أعظم روحياً واجتماعياً. وفي ضوء هذا النماذج تعددت المقاييس التي تستخدم لقياس الصمود التي وصلت إلى 19 مقياس (Windle et al., 2011). ولعل أحد أهم المقاييس القائمة على نموذج التفاعل بين السياقات الثقافية والسمات الشخصية للفرد هو مقياس الصمود (Child and Youth Resilience Measure-28 [CYRM-28]; Liebenberg et al., 2012) الذي يتكون من 28 موزعة على ثلاثة أبعاد للصمود ذات أبعاد فرعية (Rensburg et al., 2019) على النحو الآتي:
البعد الرئيسي الأول: الجوانب الفردية للصمود (Individual subscale). يتكون من 11 عبارة التي تعكس السمات الفردية للصمود موزعة على ثلاثة أبعاد فرعية، وهي: المهارات الشخصية (personal skills) التي تشمل خمس عبارات (1، 2، 3، 4، 5)، ودعم الأقران (peer support) المكون من عبارتين (8، 9)، والمهارات الاجتماعية (social skills) المكون من أربع عبارات (20، 21، 22، 23).
البعد الرئيسي الثاني: العلاقات والرعاية الوالدية (Relational subscale). يتكون من سبع عبارات التي تمثل الموارد المرتبطة بالرعاية الوالدية وجودة علاقاته مع الآخرين موزعة على بعدين، وهما: الرعاية الجسدية (physical caregiving resources) التي تشمل عبارتين (10، 12)، والرعاية النفسية (psychological caregiving resources) المكون من خمس عبارات (11، 13، 14، 15، 16).
البعد الرئيسي الثالث: السياق (Contextual subscale). يتكون من عشر عبارة التي تمثل الموارد التي تعين الفرد على الصمود والمنبثقة من السياق الديني والتعلمي والثقافي موزعة على ثلاثة أبعاد فرعية، وهي: الروحانية (spiritual resources) التي تشمل ثلاث عبارات (6، 7، 26)، والتعليم (educational resources) المكون من عبارتين (17، 18)، والسياق الثقافي (cultural resources) المكون من خمس عبارات (19، 24، 25، 27، 28).
وأظهرت الأدبيات النفسية ارتباط إيجابي بين الصمود وعدد من مخرجات الطلبة، ومنها: قدرة أكبر على مواجهة التحديات (Leppin et al., 2014)، والتحصيل الأكاديمي (Erduran Tekin, 2024; Hunsu et al., 2023; Swanson et al., 2010)، والكفاءة الاجتماعية (Swanson et al., 2010)، والصحة النفسية (Chow et al., 2018)، والصحة الجسدية (Swanson et al., 2010). وأظهرت الدراسات أن الأفراد ذوي الصمود المنخفض هم أكثر عرضة للانسحاب من المدرسة أو مؤسسات التعليم العالي (Sosu & Pheunpha, 2019)، والمشكلات النفسية الداخلية كالقلق والاكتئاب (Pinto et al., 2021)، وتعاطي المؤثرات العقلية (Rudzinski et al., 2017). كما أظهرت عدة دراسات بعدية التأثير الإيجابي للتدخلات الإرشادية القائمة على الصمود في خفض المشكلات النفسية الداخلية كالاكتئاب والقلق والمشكلات الخارجية كالعنف (Dray et al., 2017; Laird et al., 2019)، وتحسين الكفاءة الذاتية ومهارات التكيف (Fenwick-Smith et al., 2018)، وتقليل احتمالية التعاطي وممارسة السلوكيات الخطرة (Hodder et al., 2017).
فقد سعى المشروع البحثي الحالي في هذا المؤشر الفرعي للإجابة عن السؤال على "ما متوسطات المظاهر السلوكية المتعلقة بالصمود لدى طلبة الحلقة الثانية وما بعد الأساسي، وما دلالة الفروق في هذه المتوسطات وفقاً لمتغير الجنس والصف الدراسي والمحافظة التعليمية؟"
للإجابة عن هذا السؤال، تم حساب المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية. فقد أظهرت نتائج التحاليل الوصفية مستويات مرتفعة في الدرجة الكلية للصمود والأبعاد الرئيسية (الجوانب الفردية، والعلاقات والرعاية الوالدية، والسياق) حيث أظهرت عينة المشروع مستويات مرتفعة إلى مرتفعة جداً. ويوجد تفاوت بين عدد الطلبة في الفئات الخمسة للحكم (منخفض جداً، ومنخفض، ومتوسط، ومرتفع، ومرتفع جداً) حيث جاءت غالبية الطلبة في فئة "مرتفع" و"مرتفع جدا" في الدرجة الكلية والأبعاد، مما يقدم مؤشر إيجابي للشخصية العمانية سواء على مستوى الطلبة أو المجتمع ككل بما يتوافق مع السمات التي ذكرها المغفور له الوالد القائد جلالة السلطان قابوس رحمة الله عليه في خطاب العيد الوطني الرابع والعشرين (1994):
إذا كان لنا، أيها المواطنون، أن نزهو ونفخر بالإرث العظيم الذي تلقيناه عن الأسلاف فان ذلك يجب ألا يكون الغاية التي نقف عندها، مكتفين باجترار الماضي، فنباهي بأمجاده، ونعيش على ذكرى مفاخره، فذاك خلق الخامل الذي لا عزم له، وحاشا أن يكون العماني كذلك. فلقد أثبت دوما أنه ذهن متوقد، وفكر متجدد، وروح وثابة تطمح إلى ارتياد الآفاق، لا تنثني عن مطلبها إلا غالبة ظافرة، ملء إهابها النصر المبين. ومن هنا كان لزاما أن نبني كما بنوا، وأفضل مما بنوا، مستلهمين من عطائهم الإنساني العظيم دافعاً إلى البناء والتعمير، وحافزاً إلى مزيد من الرقي والتطوير، في تلاؤم مع العصر ومتطلباته، وتواكب مع التقدم العلمي الخارق ومقتضياته، وإلا كان المصير، لا ريب، تخلفاً شائناً عن الركب المتقدم لا يرضاه لنفسه الا خائر فقد قواه، أو خائف متهيب ترتعش خطاه، أو متبلد تحجر عقله فزهد في الحياة.
وأُجري اختبار ت لتحديد الفروق في الصمود وأبعاده الفرعية وفق متغير الجنس. وأظهرت النتائج وجود فروق دالة إحصائياً في الدرجة الكلية للصمود والسياق بين الذكور والإناث حيث جاءت متوسطات الطالبات في الصمود ككل وبعد السياق أعلى على نحو دال إحصائياً مقارنة بالذكور. ورغم وجود فروق دالة إحصائياً، أظهرت النتائج حجم أثر صغير جداً مما يشير لضألة الفروق بين الجنسين. كما أظهرت النتائج عدم وجود فروق دالة إحصائياً بين الذكور والإناث في بعدي الجوانب الفردية والعلاقات والرعاية الوالدية للصمود.
كما أُجري اختبار تحليل التباين الأحادي لتحديد الفروق في الصمود وأبعاده الثلاثة (الجوانب الفردية، والعلاقات والرعاية الوالدية، والسياق) وفق متغير الصف الدراسي والمحافظة. وأوضحت نتائج اختبار ليفين عدم تحقق تجانس التباين؛ لذا تم التعبير عن النتائج وفق اختبار ولش كاختبار اجمالي واختبار دينت للمقارنات البعدية لكل المظاهر السلوكية ما عدا العلاقات والرعاية الوالدية. فقد أظهرت النتائج فروق دالة إحصائياً في الصمود وأبعاده وفق الصف الدراسي بحجم أثر صغير جداً. فقد جاء متوسط الصمود لدى طلبة الصف السابع أعلى على نحو دال إحصائياً من متوسط طلبة الصف الحادي عشر الذي بدوره جاء أعلى من متوسط الصف التاسع. كذلك، جاءت متوسطات بعدي الجوانب الفردية، والعلاقات والرعاية الوالدية للصمود لدى طلبة الصف التاسع أقل على نحو دال إحصائياً من متوسطات طلبة الصف السابع والحادي عشر الحادي. وفي بعد السياق، امتلك طلبة الصف التاسع متوسطاً أقل من متوسط الصف السابع فقط على نحو دال إحصائياً، ولم تظهر فروق دالة إحصائياً بين متوسطي الصفين التاسع والحادي عشر. إجمالاً، تشير هذه النتائج لأهمية التركيز على تعزيز الصمود لدى طلبة الصف التاسع.
كذلك، أظهرت النتائج فروق دالة إحصائياً في الصمود وأبعاده الثلاثة وفق المحافظة التعليمية بحجم أثر صغير إلى صغير جداً. فيما يتعلق بالدرجة الكلية للصمود، جاء متوسط الطلبة بمحافظة الوسطى أقل على نحو دال إحصائياً من متوسط معظم المحافظات، وبالتحديد أقل من مسقط، وظفار، وجنوب الباطنة، وشمال الباطنة، ومسندم، والداخلية، وجنوب الشرقية، وشمال الشرقية، والظاهرة، والبريمي. وجاء متوسط الصمود في ظفار أعلى من متوسط الطلبة في شمال الباطنة، والداخلية، وشمال الشرقية على نحو دال إحصائياً. وجاء متوسط الصمود في جنوب الشرقية أعلى من متوسط الطلبة في مسقط، وشمال الباطنة، والداخلية، وشمال الشرقية على نحو دال إحصائياً. وهنا، تظهر الحاجة لتعزيز التدخلات الإرشادية والتوعوية في محافظة الوسطى على وجه الخصوص، تليها بدرجة أقل المحافظات الأخرى.
وفي ذات السياق، جاء متوسط الجوانب الفردية للصمود بمحافظة الوسطى أقل على نحو دال إحصائياً من متوسط معظم المحافظات، وبالتحديد أقل من مسقط، وظفار، وجنوب الباطنة، وشمال الباطنة، والداخلية، وجنوب الشرقية، وشمال الشرقية، والظاهرة، والبريمي. وجاء متوسط الجوانب الفردية للصمود في جنوب الشرقية أعلى من متوسط الطلبة في مسقط والداخلية على نحو دال إحصائياً. وهنا، تظهر الحاجة لتعزيز التدخلات الإرشادية والتوعوية في محافظة الوسطى على وجه الخصوص، تليها بدرجة أقل المحافظات الأخرى مثل مسقط وغيرها.
وفيما يتعلق بالعلاقات والرعاية الوالدية، جاء متوسط الطلبة بمحافظة الوسطى أقل على نحو دال إحصائياً من متوسط معظم المحافظات، وبالتحديد أقل من مسقط، وظفار، وجنوب الباطنة، وشمال الباطنة، ومسندم، والداخلية، وجنوب الشرقية، وشمال الشرقية، والظاهرة، والبريمي. وجاء متوسط الطلبة في ظفار أعلى من متوسط الطلبة في مسقط وجنوب الباطنة، وشمال الباطنة، والداخلية، وشمال الشرقية، والظاهرة على نحو دال إحصائياً. وجاء متوسط الطلبة في جنوب الشرقية أعلى من متوسط الطلبة في مسقط، وشمال الباطنة، والداخلية، وشمال الشرقية على نحو دال إحصائياً.
وفيما يتعلق بالسياق، جاء متوسط الطلبة بمحافظة الوسطى أقل على نحو دال إحصائياً من متوسط معظم المحافظات، وبالتحديد أقل من مسقط، وظفار، وجنوب الباطنة، وشمال الباطنة، والداخلية، وجنوب الشرقية، وشمال الشرقية، والظاهرة. وجاء متوسط الطلبة في ظفار أعلى من متوسط الطلبة في مسقط، وجنوب الباطنة، وشمال الباطنة، والداخلية، وشمال الشرقية، والظاهرة على نحو دال إحصائياً. وجاء متوسط الطلبة في الظاهرة أعلى من متوسط الطلبة في شمال الباطنة على نحو دال إحصائياً.
مقياس الصمود (Child and Youth Resilience Measure-28 [CYRM-28]; Liebenberg et al., 2012). راجع المقياس الرابع في دليل مقاييس المشروع البحثي (ص 13-17).